اسم في الأخبار

هشام النجار : يوسف القرضاوي هل كان ينفذ مشروعا إخوانيا أم هو من صنّاع هذا المشروع؟

داعية أحرقه حلم الإسلاميين بالوصول إلى السلطة.

رحل أحد أشهر دعاة وفقهاء تنظيم الإخوان الدولي الشيخ يوسف القرضاوي بعد سنوات من انقضاء الدور السياسي له وعقب سقوط مشروع الجماعة في السلطة والفشل في استعادة الزمام مجددًا بمختلف الوسائل السلمية والمسلحة. ويبقى السؤال بعد رحيله؛ هل كان القرضاوي ينفذ مشروعا إخوانيا أم هو من صنّاع هذا المشروع؟

مثّل الرجل، الذي رحل عن 96 عاما، في نهايات عمره عبئًا على القوى التي دعمته ورعته سابقا، ففي حين تتجه هذه القوى إلى التقارب والتصالح مع الدول العربية مع التخلي عن المواقف الصريحة الداعمة للإخوان، كان القرضاوي قد جرى استبداله بآخر في رئاسة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إثر إدراج اسمه على قائمة الإرهاب في عدة دول عربية.

اتجه الداعية الإخواني الذي حاز شهرة واسعة في مصر والعالم الإسلامي خلال السنوات الأخيرة إلى الابتعاد عن التعليق على الأحداث السياسية، مُكتفيًا بالتغريد على حسابه على تويتر بعبارات وعظية ودعوية.

طيف الإسلام السياسي

* القرضاوي اكتسب نفوذًا داخل طيف الحركة الإسلامية وامتد تأثيره إلى أتباع جماعات أخرى ضمن تنظيمات السلفية الجهادية حول العالم

اكتسب وهو المرجع الفقهي والفكري الأول لجماعة الإخوان على مدى عقود نفوذًا داخل طيف الحركة الإسلامية، وامتد تأثيره إلى أتباع جماعات أخرى ضمن تنظيمات السلفية الجهادية حول العالم نتيجة تبنيه التحريض على العنف والعمليات الانتحارية وتشابك مصالح التنظيم الدولي للإخوان مع مصالح الجهاديين.

تعود تلك المكانة التي وصل إليها القرضاوي داخل طيف جماعات الإسلام السياسي، بجانب ما حازه من إمكانات معرفية في مجال التفسير والفقه والشريعة، إلى ما توفر لديه ولم يتوفر لغيره من ارتباطات بسياسات ومصالح دول ومحاور منحته أدوات إعلامية ومؤسسية ومالية مكنته من أن يُوصل طرح أفكاره إلى كل بلاد العالم وليس بلدان العالم الإسلامي فحسب.

من خلال هذا الارتباط بسياسات بعض الدول والمحاور وحتى قبل ثورات الربيع العربي ومشروع تمكين الإخوان في السلطة، استطاع الرجل الذي انتمى إلى تنظيم الإخوان منذ شبابه أن يكوّن علاقات متينة داخل العالم الإسلامي وخارجه مع مؤسسات ومنظمات وهيئات أكاديمية.

ولعب الإعلام دورا مهما في رواج اسمه جماهيريًا ولم يعد حضوره قاصرًا على نخب دينية وجماعات الإسلام السياسي والسلفية الجهادية، فحاز حضورًا واسعًا بعد ظهوره بشكل متواصل على قناة الجزيرة القطرية متابعًا للأحداث السياسية ومعلقًا عليها، وداعيًا إلى تبني وجهة نظره التي عمد إلى إسباغ الشرعية الدينية عليها وكانت في معظمها تصب في مصلحة جماعة الإخوان وداعميها الإقليميين.

التحق القرضاوي الذي غادر مصر مبكرًا في حقبة الستينات بالنشاط المؤسسي لإعادة بناء تنظيم الإخوان من الخارج بعد محنته في عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، وجاء على رأس قائمة دعاة الجماعة المرتبطين بمصالح دول ومشاريع إقليمية.

ووُظفت فتاواه في ما يتعلق بوجوب الخروج على الحاكم الظالم والفاسد وخلعه وتشبيهه بـ”فرعون” كإحدى أهم الأدوات المؤثرة داخل سياق مخطط ما بعد ثورات الربيع العربي بهدف تمكين جماعة الإخوان من السلطة بعد عزل الحكام العرب.

العداء لمصر

وأسهمت هذه النوعية من الفتاوى في غسل عقول شريحة كبيرة من الشباب العرب، وحولتهم إلى قاطعي رؤوس ومحترفي تنفيذ عمليات تفجيرية ضد كل من يرتبط بالسلطة من مدنيين وعسكريين وقضاة ورجال شرطة وإعلاميين.

دفع القرضاوي بعدد كبير من الدعاة المرتبطين به والمنتمين إلى جماعة الإخوان وغيرها من الجماعات، وبعضهم منحهم عضوية الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، إلى تكفير الحكام في مصر والإفتاء بوجوب الخروج عليهم بقوة السلاح وبالتحريض ضد الملايين من الذين تظاهروا ضد حكم الإخوان.

من هؤلاء ممن أدوا هذه المهمة نيابة عنه، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين صفوت حجازي المسجون حاليًا بمصر على خلفية قضايا تحريض وإرهاب، وسلامة عبدالقوي ومحمد الصغير وأكرم كساب. وثلاثتهم من المقربين جدًا من القرضاوي ومن أخلص تلامذته وكان يعدهم منذ فترة لخلافته.

بعد عزل الإخوان عن السلطة في مصر بعامين أصدر القرضاوي عبر مجموعة من الدعاة المنتمين إلى تنظيم الإخوان ما عُرف بنداء الكنانة في العام 2015، ودعا خلاله إلى تسليح الثورة المصرية محاولًا استنساخ الواقع الليبي والسوري لفرضه على الواقع المصري.

يُعد هذا البيان من جنس فتاوى القرضاوي الكثيرة التي أعلن خلالها الجهاد ضد كل من يرتبط بالسلطة، في سوريا أو غيرها، مستحلًا دم المدنيين والعسكريين وعلماء الدين، وكل من لا يناصر المشروع الإخواني.

كان لفتاوى القرضاوي بشأن الوضع في سوريا الدور الأكبر في تحويل الأزمة السياسية إلى ساحة حرب أهلية كبرى وصراع طائفي بين ميليشيات الإسلام السياسي السنية والشيعية، ما أدى إلى استنزاف الدولة ومواطنيها.

دعا البيان إلى الجهاد المقدس ضد السلطة المصرية من شرطة وجيش وقضاة، ولم يكتفِ بتحريض خلايا الإخوان المسلحة بالداخل المصري، بل حرض كل الجماعات المسلحة بالخارج إلى المشاركة في الحرب على كيان الدولة المصرية.

من بين فقراته ما قاله القرضاوي من أنه “على الأمة دولًا وشعوبًا كسر الانقلاب والإجهاز عليه، والسعي في بذل كل غال وثمين في سبيل تحرير أسرى الإخوان في السجون المصرية وفكاك حبسهم بالوسائل المشروعة في دين الله”.

مرجعية التكفيريين

أدت فتاوى التحريض على العنف والإرهاب بجميع الدول العربية والتي هدفت إلى عزل الأنظمة والحكام العرب وتمكين الإخوان من السلطة إلى أن يصبح القرضاوي مرجعية فكرية وحركية لمختلف التيارات الجهادية خاصة في دول الربيع العربي ما جعله يحوز لقب “مفتي الإرهاب”.

وبرهن على ذلك ما ورد في مذكرات أسامة بن لادن مؤسس وزعيم تنظيم القاعدة الذي وصف فتاوى القرضاوي على قناة الجزيرة القطرية أنها كانت مفيدة للجهاديين، لافتا إلى أن أحاديث الداعية الإخواني عززت الثقة الشعبية في حركة الجهاد.

في أكثر من مناسبة عبّر قادة القاعدة عن امتنانهم وكونهم مدينين بالفضل لمجهودات يوسف القرضاوي وجماعته. ومن وجهة نظر هؤلاء القادة أن تحولات القرضاوي بين الدعوة أولًا إلى السلمية والوصول إلى السلطة بالانتخابات لتمكين الإخوان بعد يناير 2011 وتاليًا انقلابه على هذا الرأي بعد عزل الجماعة داعيًا إلى خيار القوة والعنف، أكدت صوابية أيديولوجية القاعدة التي تكفر بالحلول الوسط وتؤمن بالحلول العنيفة للانفراد بالحكم.

وعبّر بعضهم عن رضاه عن نتائج هذا التخبط الذي تجلى في مواقف شرعيي جماعة الإخوان، وفي مقدمتهم القرضاوي، عندما انجذب عدد غير قليل من شباب الإخوان إلى أفكار القاعدة، ومنهم من انضوى فعليًا تحت راية أفرعه الحركية المنتشرة بالدول العربية.

ولذلك حذر بن لادن أتباعه من الدخول في مواجهات مع جماعة الإخوان، معتبرا عودة جماعة الإخوان المسلمين وأمثالهم إلى الإسلام الصحيح مسألة وقت، وقصد بالإسلام الصحيح قناعات وأفكار تنظيمه.

وتسبب ارتهان القرضاوي للترويج لمشروع الإخوان وخدمة مصالح القوى الداعمة للتنظيم في وقوعه في فخ التناقض، متراجعًا عن كثير من الطروحات المتطورة التي سبق ونادى بها تحت ضغط مقتضيات تحالف الإخوان مع الجماعات الأكثر تطرفًا، علاوة على ما اقتضته المرحلة من آراء جديدة بدت مختلفة كلية عما كان يدعو إليه في السابق.

وبعد أن كان القرضاوي منحازًا في مرحلة مبكرة من خلال كتبه ومؤلفاته إلى فكرة أن الجهاد في الإسلام هو فقط للدفاع عن الأوطان ضد محتل خارجي (جهاد الدفع)، عاد في سبيل خدمة تحالف الإخوان مع فصائل السلفية الجهادية ليقول بأن الإسلام يبيح جهاد الطلب، أي غزو بلاد أخرى لإجبار أهلها على اعتناق الإسلام، وهو التسويغ الشرعي لممارسات القاعدة وداعش داخل البلاد الغربية.

شبكة الإخوان الدولية

بعد أن دعا في بعض كتبه التي قدمته للساحة الإسلامية كداعية مستنير يدعو إلى التعايش واندماج المسلمين في الغرب داخل مجتمعاتهم، عاد القرضاوي وأسهم بقوة في رواج شبكة الإخوان الدولية، واصفًا أنشطتها الانفصالية بأنها “غزو للغرب من خلال الدعوة”.

ناقض القرضاوي نفسه مجددًا في سبيل تبرير تدخل الغرب وحلف الناتو لضرب دول عربية وإسلامية عندما رأى أن هذا الموقف يخدم أهداف جماعة الإخوان في الوصول إلى السلطة بعد إزاحة الحكام العرب.

واعتبر أن القوة الأجنبية سلاح سخره الله للانتقام من الرئيس السوري بشار الأسد والعقيد الليبي الراحل معمر القذافي، زاعمًا أن النبي محمد (ص) لو بُعث من جديد سيضع يده في يد حلف الناتو وأن “الله وجبريل وملائكته يساندون الرئيس التركي أردوغان”.

لم يكن موقفه هذا معبرًا عن صحيح الدين وجوهر الشرع بقدر ما كان معبرًا عن مصالح التنظيم الدولي للإخوان وداعميه ومناصرًا لموقف الجماعات التكفيرية المسلحة التي كانت تقاتل الجيش الليبي والسوري مدعومتين من قوى إقليمية ومن قوات وأجهزة الدول الغربية.

ولذلك أدرجت مصر والسعودية والإمارات والبحرين عام 2017 الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي رأسه القرضاوي منذ تأسيسه على قوائم الإرهاب، لأنه يروج للإرهاب باستخدام الخطاب الإسلامي، مستغلًا الدين كغطاء لتنفيذ نشاطات إرهابية تخالف تعاليمه السمحة.

أسهم هذا الموقف وغيره في كشف طرق الخداع التي لجأ إليها القرضاوي واتحاد علماء المسلمين أمام العالم عندما وضح أن دعاة الإخوان يستخدمون عناوين براقة جاذبة للغرب، مثل المرونة والاعتدال والتعايش والوسطية، للتغطية على تحريض ديني مكثف محفز على الفوضى والإرهاب وكراهية الآخر.

أتى تحجيم دور القرضاوي قبل سنوات من وفاته تجسيدًا لانقضاء مرحلة شهد خلالها تيار الإسلام السياسي وجماعات السلفية الجهادية صعودًا لافتًا في أعقاب ثورات الربيع العربي، وهو ما عكس التراجع على المستوى العربي والإقليمي في الاعتماد على تلك التنظيمات لتحقيق مكاسب سياسية وأهداف إستراتيجية.

مات القرضاوي بعد أن عاش سنوات كورقة محروقة فاقدًا المصداقية في ظل سعي القوى الإقليمية التي دعمت الإخوان سابقًا للبحث عن مصالحها بأدوات جديدة ومُجدية، وبعد أن بات الرجل قرينًا في أذهان غالبية العرب والمسلمين بالإرهاب ومآسي الحروب الأهلية والفوضى واللجوء والتشرد.

*العرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى