رأي في الحدث

علي عبيد الهاملي : لستُ مربيةَ أجيال.. أنا معلمة


تسبب مقطع فيديو لمعلمة ترد على منتقديها بسبب ظهورها في تطبيق «تيك توك» في جدل كبير لم ينته على وسائط التواصل الاجتماعي.

المعلمة قالت في مقطع الفيديو: «بعض الأشخاص يقولون عني مربية أجيال، لكن أنا لست كذلك، مهنتي معلمة، أخذت معلومات في الجامعة والكلية لأقدمها للطالبات فقط، مثل أي وظيفة أخرى».

وتابعت: «أنا إنسانة عادية، مثل أي موظف، لي حياتي الخاصة، عندي أخطاء وحسنات، ولست مربية لأحد، مهمتي فقط تقديم المعلومات للطالبات والحصول على راتبي». وأضافت: «التربية هي دور الأم والأب، وليس دور المعلمة، بناتكم يفهمن أكثر منا في كل شيء».

الذين تفاعلوا مع مقطع الفيديو تباينت آراؤهم بين الاعتراض والتأييد، فالذين اعترضوا قالوا إن كلامها هذا يكون صحيحاً عندما تدرس طلاب التعليم العالي وليس أطفالاً أو مراهقين، مضيفين أن الشهادة التي حصلت عليها اسمها «شهادة تربوية»، وأعادوها إلى الوزارة التي يعمل فيها المعلمون والمعلمات، مذكرين إياها بأن اسمها «وزارة التربية والتعليم»، وقالوا إن الطفل يتأثر بمعلمه أكثر من تأثره بوالديه، ولهذا يفترض أن تكون المعلمة قدوة لطلابها، وطالبوا بمحاسبتها على رأيها هذا، وإنكارها دوراً مهماً وكبيراً للمعلمة أو المعلم في العملية التربوية.

أما الذين أيدوها فقالوا إن كلامها صحيح، إذ لا دخل لأحد في حياتها الشخصية، فهي فعلاً غير مسؤولة، ولا أي معلم مسؤول عن تربية الأطفال الذين لا يريد أهلهم تربيتهم. وأضافوا قائلين إن الذي لا يريد تربية أبنائه عليه ألا يلدهم، مؤكدين أن مهمة المعلمة هي أخذ المنهج الدراسي وشرحه فقط، وأن المعلمة صادقة لأنه لا شأن لها بتربية الأطفال. وتساءلوا: ألا يوجد في الدنيا من يربي غيرها؟ وأجابوا: إن الشارع يربي، والمجتمع يربي، ووسائط التواصل الاجتماعي تربي الآن.

وفي ردها على الانتقادات التي تعرضت لها، قالت المعلمة: «أنا شخصياً لا أريد أحداً أن يربي أبنائي، حتى لو كان المعلم، لأنه قد لا يحمل نفس أفكاري ومبادئي». وتساءلت قائلة: «هناك معلمون من مذاهب أو ديانات مختلفة، وهناك معلمون يدرسون لغات أجنبية، فهل معنى هذا أن يربوا أبناءنا؟». وأضافت: «حدثت كوارث عندما أوعزتم هذه التربية إلى أشخاص غرباء لا تعرفون مبادئهم ولا أفكارهم، وقد صعق الأهالي بأن هؤلاء الأبناء قد انضموا إلى تيارات واتجاهات، وفقدوا أبناءهم نهائياً.

فلماذا أحمّل شخصاً تربية أبنائي، لماذا؟ فقط أريد المادة العلمية، والمادة العلمية التي في المنهج الدراسي فقط، وإذا استطعت إيصالها فشكراً لك، لأن هناك معلمين قد يستغلون مواد ويأتون بمعلومات مخالفة أو تغيّر تفكير الطالب. هناك أهالٍ لا يرغبون التدخل في تربية أبنائهم». وختمت: «لكل إنسان الحق في تربية أبنائه وفقاً لمبادئه وأفكاره».

القضية ما زالت متفاعلة، والآراء حول ما قالته المعلمة بين مؤيد ومعارض، والموضوع لا يقتصر على العاملين في الميدان التربوي الذين أدلى بعضهم بدلوه فيه، وإنما يتعداه إلى فئات المجتمع الأخرى، والأمر يستحق الاهتمام فعلاً، ليس لأنها المرة الأولى التي يثار فيها، فثنائية التربية والتعليم مثارة منذ عقود، والسؤال حول كون التعليم مهنة أم رسالة مطروح منذ زمن، ودور المعلم محل حوارات لا تنتهي عبر كل الأجيال منذ أن عرف التعليم طريقه إلى البشر، ومنذ أن كاد المعلم أن يكون رسولاً في قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي المعروفة، والتي قالها قبل قرن من الزمان تقريباً.

ما يستوجب الاهتمام هو أن الأجيال تتغير من زمن إلى زمن، والأفكار تتبدل من جيل إلى جيل، والآراء تختلف من عصر إلى عصر، فما كان مسلَّماً به قبل قرن أو أكثر أصبح محل جدل وخلاف في وقتنا هذا، لذلك ربما تبدو بعض الآراء التي نسمعها حول هذه القضية لدى جيلٍ ما غريبة مرفوضة وخارجة عن المألوف، بينما تبدو لدى جيلٍ آخر منطقية مقبولة ومألوفة.

العلاقة بين التربية والتعليم عند البعض غير قابلة للنقاش، بينما هي اليوم على أرض الواقع مطروحة للنقاش في المنصات. هذه واحدة من ظواهر العصر التي يجب أن نسلّم لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى